علي بن أحمد المهائمي
109
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يقول : يا رب أعطني ما تعلم فيه مصلحتي ) « 1 » ، فيذكر عرضا عاما للمسئول ( من غير تعيين لكل جزء ) ، أي : لشيء من أجزائه ( من ذاتي ) فضلا عن الأعراض فضلا عن مشخصاتها ( من كثيف ) كالأجزاء العقلية مثل الحيوان الناطق للإنسان ( ولطيف ) كالأجزاء الحسية كالوجه والرأس ولرقبة له ، وهذا مبالغة في عدم التعيين ، إذ هو بالأعراض المشخصة الكائنة بعد الأعراض اللاحقة للأجزاء الذاتية ، فإن لم يتعرض للأسبق لم يتعرض لما بعده أصلا ، ولما فرغ عن بيان حرية قبول المسؤول فيه ؛ شرع في بيان جهة السؤال تنبيها على أنه لا بدّ من جهة الفاعل هي أسماؤه حتى في العطايا الذاتية على ما تأتى الإشارة إليه في أنه لا بدّ من سؤال الاستعداد وجهة في القابل في القبول ، وهي سؤاله وجهة توجب ذلك السؤال فيه . [ والسّائلون صنفان : صنف بعثه على السّؤال الاستعجال الطّبيعيّ ؛ فإنّ الإنسان خلق عجولا ، والصّنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أنّ ثمّة أمورا عند اللّه قد سبق العلم بأنّها لا تنال إلّا بعد السّؤال ، فيقول : فلعلّ ما نسأله منه سبحانه يكون من هذا القبيل ؛ فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان وهو لا يعلم ما في علم اللّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول ، لأنّه من أغمض المعلومات الوقوف في كلّ زمان فرد على استعداد الشّخص في ذلك الزّمان ، ولولا ما أعطاه الاستعداد السّؤال ما سأل ، فغاية أهل الحضور الّذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزّمان الّذي يكونون فيه ، فإنّهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحقّ في ذلك الزّمان وأنّهم ما قبلوه إلّا بالاستعداد ، وهم صنفان : صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم ؛ وصنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه ، هذا اتمّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصّنف ، ومن هذا الصّنف من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان ، وإنّما يسأل امتثالا لأمر اللّه تعالى في قوله : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] ؛ فهو العبد المحض ، وليس لهذا الدّاعي همّة متعلّقة في ما يسأل فيه من معيّن أو غير معيّن ، وإنّما همّته في امتثال أوامر سيّده ، بل نظره على الحقّ جمعا في مقام وحدته وتفصيلا في مظاهره ، فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبوديّة ، وإذا اقتضى التّفويض والسّكوت سكت ] . فقال : ( والسائلون ) في مبدأ سؤالهم في أمر معين أو غير معين ( صنفان ) : ( صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي ) أي : الذي من طبعه الذي خلق عليه ، ( فإن الإنسان خلق عجولا ) ، وقد بقي هذا السائل على ذلك فهو صاحب النفس الأمارة فلا يكون من أهل الحضور ، ومع ذلك قد يكون عطاؤه ذاتيّا ؛ فلا وجه لتخصيصه بالكمّل .
--> ( 1 ) قوله : ( وغير المعين ) : أي الذي بالسؤال اللفظي بلا تعيّن على اللّه كمن يقول : يا رب أعطني ما تعلم ومصلحة من غير تعيين لكلّ جزء من ذاتي من لطيف كالقوى والأرواح وكثيف ؛ كالأعضاء .